محمد عبد الله دراز

325

دستور الأخلاق في القرآن

لا تستند فقط إلى أنّ الصّعوبات هنا صعوبات ملموسة واضحة ، أي أنّ حدوثها ، وتضييقها لا يحتويان أدنى وهم ، ولا يفترضان وجود أدنى مشاركة من جانبنا ، كما هي أكثر الحالات وقوعا في الأعذار الخلقية ؛ ولكن هذه التّفرقة تقوم بخاصة على أساس أنّ العاطفة ، والعادة تشدان إليهما الإرادة بكلّ بساطة ، دون مناقشة ، أو تعليل ، وإذا حدث تعليل ، فإنّها لا تذكر سوى بواعث الاهتمام ، والقيم الشّخصية ، وهي لا تذكر مطلقا أسبابا يعرفها القانون ، على حين أنّ المرء أمام التّهديد يتوقف ، ويتردد ، ويتأمل ، من أجل الكشف عن حلّ . وعندما يخضع نهائيا ، فهو لا يفعل ذلك إلّا لأسباب أخلاقية أيضا . أليس السّبب في ذلك - حقيقة - هو أنّ حياتنا هي الّتي تواجه الخطر مباشرا ، أو غير مباشر ؟ ومن ثمّ كان حفظ الحياة مطلبا لغرائزنا ، وأمرا من أوامر الشّرع الأخلاقي في آن . وإذن ، فإنّ الّذي يخل بواجب ، خضوعا لضرورة حيوية - يؤدي واجبا آخر يصل في أهميته إلى أنّه شرط لجميع الواجبات . على أننا لا نخفي الطّابع المبسط لتفسيرنا : أوّلا ، لأنّ المقاصة لا تفهم إلّا بين واجبات ذوات قيم متساوية ، ومع أنّ الحياة هي الشّرط في جميع الواجبات ، فإنّها لا تحتل القمة ، بل هناك ما هو أعلى أو أدنى منها ، وإذا كانت بلا أدنى جدال ، أثمن من طعام محرم ، فهل يمكن أن تكون كذلك إذا ما قورنت بصدق الإيمان ، والإخلاص للعقيدة ؟ إنّ بذل الرّخيص من أجل الغالي واجب ، ومن ثمّ فهو موضع للتقدير ، ولكن فعل العكس مناقضة أخلاقية ، وهو إذن مسؤولية عن فعل الشّر بشكل ما . ولفظة ( عدم المسؤولية ) في كلتا الحالتين ليست هي الكلمة المناسبة .